مجمع البحوث الاسلامية
162
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
ويبطل بعضه بعضا فيخلّ بالغرض المطلوب ، أو يعجزه تعالى أو يبطل ما أراده من هذا النّظام العجيب الّذي يبهت العقل ويحيّر الفكرة . وقد قال تعالى : هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ الزّمر : 4 ، وقال تعالى : وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ الأنعام : 18 ، وقال تعالى : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً فاطر : 44 ، فهو تعالى لا يقهره شيء ولا يعجزه شيء في ما يريده من خلقه ويشاؤه في عباده . فكلّ نعمة حسنة في الوجود منسوبة إليه تعالى ، وكذلك كلّ نازلة سيّئة إلّا أنّها في نفسها ، أي بحسب أصل النّسبة الدّائرة بين الموجودات المخلوقة منسوبة إليه تعالى ، وإن كانت بحسب نسبة أخرى سيّئة ، وهذا هو الّذي يفيده قوله تعالى : وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً النّساء : 78 ، وقوله : فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ الأعراف : 131 ، إلى غير ذلك من الآيات . وأمّا جهة السّيّئة فالقرآن الكريم يسندها في الإنسان إلى نفس الإنسان ، بقوله تعالى في هذه السّورة : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ النّساء : 79 ، وقوله تعالى : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ الشّورى : 30 ، وقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ الرّعد : 11 ، وقوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ الأنفال : 53 ، وغيرها من الآيات . وتوضيح ذلك أنّ الآيات السّابقة كما عرفت تجعل هذه النّوازل السّيّئة كالحسنات أمورا حسنة في خلقتها ، فلا يبقى لكونها سيّئة ، إلّا أنّها لا تلائم طباع بعض الأشياء الّتي تتضرّر بها ، فيرجع الأمر بالأخرة إلى أنّ اللّه لم يجد لهذه الأشياء المبتلاة المتضرّرة بما تطلبه وتشتاق إليه بحسب طباعها ، فإمساك الجود هذا هو الّذي يعدّ بليّة سيّئة بالنّسبة إلى هذه الأشياء المتضرّرة ، كما يوضّحه كلّ الإيضاح قوله تعالى : ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فاطر : 2 . ثمّ بيّن تعالى أنّ إمساك الجود عمّا أمسك عنه أو الزّيادة والنّقيصة في إفاضة رحمته ، إنّما يتّبع أو يوافق مقدار ما يسعه ظرفه ، وما يمكنه أن يستوفيه من ذلك ، قال تعالى فيما ضربه من المثل : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها الرّعد : 17 ، وقال : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ الحجر : 21 ، فهو تعالى إنّما يعطي على قدر ما يستحقّه الشّيء وعلى ما يعلم من حاله ، قال : أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ الملك : 14 . ومن المعلوم أنّ النّعمة والنّقمة والبلاء والرّخاء بالنّسبة إلى كلّ شيء ما يناسب خصوص حاله ، كما يبيّنه قوله تعالى : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها البقرة : 148 ، فإنّما يولّي كلّ شيء ويطلب وجهته الخاصّة به وغايته